في كل مجموعة قصصية تخطُّها د. “هيفاء بيطار” نكتشف معانٍ للحياة أكثر عمقاً وأوضح رؤية، في “غروب وكتابة” قراءات لحالات إنسانية، هي أشبه بارتحالات متفاوتة المسافات تقترب فيها الأديبة من الشخصية لتكشف لنا ما تخبئه الذات البشرية، فتعرِّيها برفق وتتكلم بلس...
أما في قصة “إلى روح أحمد” تنبِّه الأديبة إلى أهمية الرقابة على أرواح البشر في المستشفيات الحكومية في غالبية البلدان العربية، فالإهمال والاستهتار بحياة البشر بات سمة في مستشفيات الطبقة المتوسطة والفقيرة. “مات فريد في العشرين بسبب خطأ طبي، ميتة تافهة، فقد دخل المستشفى لتُجرى له عملية بواسير، المستشفى الوطني البائس لا يهتم بتعقيم الأدوات الجراحية ربما من فرط إيمان العاملين به بالعناية الإلهية، لا يعقمون الأدوات! تجرثم دم فريد بعد العملية ولم يتمكن الأطباء من إنقاذه فمات بعد ثلاثة أيام من العمل الجراحي”. أما في “غروب وكتابة” تحاول أديبتنا أن تقرع الأجراس لتقول لكل إنسان أن لا معنى للحياة إذا لم نضع فيها بصمة تميزنا عن غيرنا، وأن انتظار المجهول لا يجدي نفعاً “يغويني فن الكلام، أعرف أن كل ما أقوم به له غاية أساسية هي تمويه إحساسي أنه ليس لي دور في الحياة، فأيامي تتعاقب كرقّاص الساعة، لا تسجل ماضيها ولا تحلم بمستقبل (…) عنوان حياتي الانتظار، هناك شيء أجهله أشعر أن بوسعي انتظاره إلى الأبد حتى علاقتي مع الناس حولي انتظار…”. مجموعة قصصية ممتعة وهادفة في آن، أكثر من عشرين حكاية في عملها الروائي هذا جميعها تصور حال الاغتراب المرّة التي باتت تحتل مساحة شاسعة في الروح العربية، هي حال حساسة ومقلقة، أن يغترب الإنسان عن ذاته وعن مجتمعه مما يهدِّد بناء الأسرة العربية، والتي يجب المحافظة عليها لبناء مجتمع سليم له خصوصيته وقيمه التي تميِّزه عن حضارات زائفة، وضرورة إعادة بناء الشخصية العربية بشكل جديد يرتقي قولاً وفعلاً عن هذه الفوضى التي باتت نمطاً فكرياً في عالمنا المعاصر.